صباح جديد لعمر: من المنزل إلى الفصل بقلب متفتح.
في كل صباح، تشرق الشمس بوهجها الذهبي على مدينة الدار البيضاء، لتوقظ معها حكايا جديدة. لكن صباحات "عمر" الصغير، ذي السبع سنوات، لها نكهة خاصة، مزيج من الروتين المألوف والمغامرات الحسية الدقيقة. عمر طفل يمتلك عالماً فريداً داخل رأسه، عالماً منظماً بدقة، لا يقبل الفوضى أو التغيير المفاجئ بسهولة. يمتلك عمر توحدًا، وهذا يعني أن طريقة إدراكه للعالم من حوله تختلف قليلًا، ولكنه يمتلك قلبًا كبيرًا وعقلًا يفيض بالفضول.
فجر يوم جديد: روتين عمر المريح
قبل أن تفتح أمي، ليلى، ستائر الغرفة، يكون عمر قد استيقظ بالفعل. لا يحتاج عمر لمنبه؛ ساعته الداخلية مضبوطة بدقة على إيقاع الشمس. ينهض بهدوء من سريره، أول ما يفعله هو لمس الألعاب الخشبية المرتبة على رف صغير بجانب سريره. هذه اللمسة هي طقس يومي، إشارة لبداية يوم جديد. تساعده أمي ليلى في ارتداء ملابسه، وهي دائمًا نفس الملابس المريحة التي اعتاد عليها، فلا يحب عمر ملمس الأقمشة الجديدة أو الضيقة. تتحدث إليه بصوت هادئ وهي تشرح له خطوات اليوم: "سوف نأكل الإفطار يا عمر، ثم نذهب إلى المدرسة، حيث تنتظرك الأستاذة فاطمة وأصدقاؤك". هذا الترتيب والتكرار يمنحان عمر شعورًا بالأمان والتحكم.
عند مائدة الإفطار، يجلس عمر في مكانه المعتاد. طبقه المفضل، الذي يحمل رسومات لأشكال هندسية، وملعقته الخاصة. يأكل "عمر" دائمًا نفس النوع من الخبز مع الجبن والعسل، وبنفس الطريقة بالضبط. أي تغيير بسيط في ترتيب المائدة، أو حتى في لون الطبق، قد يثير انزعاجه. تدرك أمي ليلى ذلك جيدًا، ولذا تحرص على إعداد إفطاره بنفس الكيفية يوميًا. إنها ليست مجرد وجبة، بل هي جزء أساسي من بناء سلامه الداخلي لهذا اليوم.
الإفطار والرحلة: مواجهة العالم الخارجي
بعد الإفطار، حان وقت الذهاب إلى المدرسة. يمسك عمر بحقيبته الزرقاء التي تحتوي على دفاتر وأقلامه الملونة. الرحلة من المنزل إلى المدرسة ليست مجرد مسافة قصيرة، بل هي عبور من عالم عمر المنظم إلى عالم خارجي مليء بالمفاجآت الحسية. صوت أبواق السيارات، ضجيج المارة، ألوان الإعلانات المتغيرة، روائح مختلفة تتسرب من المقاهي والمحلات؛ كل هذا قد يكون مرهقًا لعمر الذي يستقبل كل هذه المؤثرات بحساسية مضاعفة. قد يغطي أذنيه أحيانًا، أو يحدق في نقطة معينة على الأرض لتجنب استقبال الكثير من المعلومات البصرية.
أمي ليلى تسير بجانبه بهدوء، يده في يدها. إنها نقطة ارتكاز عمر في هذا العالم الصاخب. تتحدث إليه بهدوء، وتشير إلى الأشياء المألوفة التي يحبها: "انظر يا عمر، هذا هو البائع الذي يرتدي قبعة حمراء"، "تذكر هذا الشجر، إنه الشجر الذي زرعناه السنة الماضية". هذه الملاحظات البسيطة تساعد عمر على ربط ما يراه بما يعرفه، وتقلل من شعوره بالارتباك. أحيانًا، تغني له أغنية هادئة يحفظها، فيتتبع عمر كلماتها في ذهنه، مما يساعده على التركيز وتجاهل الضجيج المحيط.
عتبة المدرسة: عالم من التحديات والفرص
عند الوصول إلى بوابة المدرسة، يتغير إيقاع عمر. قد يبدأ بتحريك يديه بسرعة، أو بالقفز في مكانه. هذه سلوكيات يطلق عليها "التحفيز الذاتي" أو "الرفرفة"، وهي طريقة عمر للتعبير عن شعوره بالإثارة أو القلق، ولتنظيم مدخلاته الحسية. تتفهم أمي ليلى هذا جيدًا، ولا تحاول منعه بعنف. بدلًا من ذلك، تضغط برفق على كتفه وتقول: "الأستاذة فاطمة تنتظرك يا عمر". هذا التذكير بالروتين القادم يساعده على الانتقال.
داخل ساحة المدرسة، يبدأ صوت جرس البداية، وتتعالى أصوات الأطفال. هنا يأتي دور الأستاذة فاطمة، مربية عمر. إنها تنتظره عند مدخل الفصل بابتسامة دافئة. تعلم الأستاذة فاطمة أن الانتقال من عالم الأم إلى عالم الفصل قد يكون صعبًا على عمر. لذا، فهي تستقبله بابتسامة وتمد يدها، وقد تحمل شيئًا بسيطًا يفضله عمر، كقلم رصاص ملون أو صورة لحيوانه المفضل. هذا الاستقبال المخصص يكسر حاجز الخوف والقلق، ويجعل عمر يشعر بأنه مرحب به ومفهوم.
داخل الفصل: رحلة استكشاف ودعم
في فصل الأستاذة فاطمة، كل شيء منظم بعناية. توجد لوحة بيضاء كبيرة عليها جدول بصري لليوم الدراسي، بالصور والكلمات. هذا الجدول هو بوصلة عمر، تخبره بما سيحدث تاليًا، خطوة بخطوة. هناك أيضًا "ركن هادئ" صغير في زاوية الفصل، مجهز بوسائد مريحة وبعض الألعاب الحسية، يلجأ إليه عمر عندما يشعر بالإرهاق أو الحاجة إلى الابتعاد قليلًا عن المؤثرات المحيطة. هذا الركن هو ملاذه الآمن داخل الفصل.
خلال حصة الرسم، حدث شيء غير متوقع. سقطت علبة الألوان من يد أحد الأطفال، وتناثرت الأقلام على الأرض محدثة ضجيجًا مفاجئًا. ارتبك عمر فورًا، وغطى أذنيه بيديه، وبدأ بالهمهمة بصوت عالٍ. لحظتها، لم توبخه الأستاذة فاطمة، بل توجهت إليه بهدوء، وجلست بجانبه. لم تحاول لمسه فورًا، بل انتظرت حتى يهدأ قليلًا، ثم سألته بصوت خافت: "هل أزعجك الصوت يا عمر؟" ثم أشارت إلى الركن الهادئ وقالت: "هل تريد أن نذهب إلى هناك قليلًا؟" أومأ عمر برأسه، فقادته الأستاذة فاطمة إلى الركن، وتركته يهدأ، مع مراقبته من بعيد. هذا الفهم العميق لاحتياجات عمر، بدلًا من مجرد رد فعل على سلوكه، هو ما يصنع الفارق.
بناء الجسور: خطوة بخطوة نحو الاندماج
في نهاية اليوم، تتواصل الأستاذة فاطمة مع أمي ليلى، لتطلعها على تفاصيل يوم عمر، الصعوبات التي واجهها والنجاحات الصغيرة التي حققها. هذه المحادثات ضرورية؛ فهي تبني جسرًا بين المنزل والمدرسة، وتضمن استمرارية الدعم وتوحيد الاستراتيجيات. لقد لاحظت الأستاذة فاطمة أن عمر كان سعيدًا جدًا عندما رسم لوحة للطائرة، وهي شغفه الأول. لذا، اقترحت على أمي ليلى أن تستغل هذا الشغف لتعزيز مهاراته في المنزل.
رحلة عمر ليست رحلة سهلة، لا له ولا لأسرته ولا لمعلمته، ولكنها رحلة مليئة بالحب والصبر والتفهم. كل يوم هو خطوة جديدة، كل صباح هو بداية لفرصة جديدة. بفضل الدعم المتواصل من أسرته الواعية ومعلمته المتفهمة، يتعلم عمر كيف يتفاعل مع العالم الخارجي بطريقته الخاصة. إنه ليس مطالباً بأن يكون مثل الآخرين، بل أن يكون عمر بكل ما فيه من خصوصية وتميز. وفي قلب كل صباح جديد، هناك أمل متجدد بأن يفتح عمر قلبه أكثر فأكثر للعالم، ويجد مكانه الفريد فيه، خطوة بخطوة.
.gif)
